ابن الجوزي
61
كشف المشكل من حديث الصحيحين
ثلاثة أقوال : أحدها : أنها سميت خمرا لأنها تخامر العقل : أي تخالطه . والثاني : لأنها تخمر العقل : أي تستره ، من قولهم : خمرت المرأة رأسها بخمار : أي غطته . والثالث : لأنها تخمر : أي تغطي لئلا يقع فيها شيء ( 1 ) . وجميع الأنبذة قد ساوى عصير العنب في هذا المعنى فشملها اسمه ، وهذا مبني على مسألة أصولية وهي : هل يجوز إثبات الأسماء بالقياس أم لا ؟ فعند جمهور العلماء يجوز ذلك ، فيسمى النبيذ خمرا قياسا على الخمر ، والنباش سارقا قياسا على السارق ، واللوطي زانيا قياسا على الزاني . ويدل على هذا قول عمر : الخمر ما خامر العقل . وذهب الحنفيون وجمهور المتكلمين إلى المنع من ذلك ، وقالوا : قد نراهم يسمون الزجاج الذي تقر فيه المائعات قارورة ، ولا يسمون الكوز قارورة ، فبان بذلك أن الأسماء تثبت توقيفا . وأجاب الأولون فقالوا : الأسماء على ضربين : أعلام ، وهي الألقاب المحضة التي يقصد منها تعريف الأعيان وتفريق ما بين الذوات لا لمعنى ولا لإثبات صفة ، كقولنا : زيد وعمر ، فهذا من الاصطلاح والاختيار ، ولا مدخل للقياس في ذلك . والثاني : اسم مقيد بصفة وضع لأجلها ، كقولنا : قاتل ؛ فإنه سمي بذلك لوجود القتل منه ، وكذلك الخمر لمكان مخامرتها للعقل . على أن الصحابة الذين سموا هذه الأشياء أفصح العرب . وأما تسمية القارورة خاصة فإنهم خالفوا بين الأسماء لاختلاف الأنواع ، وذلك لا يرفع أصل القياس فيما بقي ( 2 ) .
--> ( 1 ) « الزاهر » ( 1 / 542 ) . ( 2 ) ينظر « الأصول » للسرخسي ( 2 / 156 ) ، و « التمهيد » للكلوذاني ( 3 / 454 ) .